طه عبد الرحمن

93

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

عن آثار الذات الإنسانية ؛ ولما كان هذا الاستقلال ادعاء بعيد التحقق ، عسير الإثبات ، اخترنا أن نسمي هذا المبدأ ب " مبدأ الموضوعية الجامدة " ، تمييزا له عن مبدأ آخر يأخذ بموضوعية غير جامدة أو قل " حركة " ( بكسر الراء ) ، إذ يقتضي أن تشترك قيم الذات الداخلية مع مدركات النظر الخارجية في تأسيس المعرفة تأسيسا موجّها ( بفتح الجيم المشددة ) ومقوّما ( بفتح الواو المشددة ) ، لا تأسيسا مجردا . ب . مبدأ التساهل « 2 » ، ينص هذا المبدأ الثاني على أنه لا أخلاق في المنطق ، فلكل امرئ أن يبني منطقه كما شاء ، لا يتقيد في ذلك إلا بأن يبين ، عند الاقتضاء ، مناهجه وقواعده فيما اتخذ من منطق خاص ؛ ولما كان هذا المبدأ يسقط إسقاطا كليا الاعتبارات العملية ، اخترنا أن نطلق عليه اسم " مبدأ التساهل المسيّب " ، تمييزا له عن مبدأ ثان يأخذ بتساهل " غير مسيّب أو قل " موجّه " ( بفتح الجيم ) ، إذ يقصد إلى أن يشرك الجانب العملي مع الجانب النظري في تركيب النسق المنطقي أو النظرية العلمية . وهكذا ، باسم مبادئ توهم بالنزاهة كمبدإ الموضوعية وبالسماحة كمبدإ التساهل يقع تمجيد العلم الحديث ، بل تقديسه ، إذ ينال حظوة ما بعدها حظوة في قلوب بعض علماء الدين أنفسهم ؛ وعلامة هذا الإيهام أن هذه المبادئ التي ترسّخ آفة الانقطاع عن القيم الأخلاقية ، لم يقتصر العمل بها على مجال العلوم النظرية كما أراد ذلك أهلها في مرحلة التأسيس ، بل جرى الأخذ بها أيضا في مجال العلوم العملية نفسها ، حيث أخرجت أفعال الإرادة الإنسانية الحية على مقتضى الوقائع الجامدة ، ثم انتقل العمل بها إلى المجالات غير العلمية وغير العملية مثل الفكر والأدب أو الفن ، حتى صار المثقف - مفكرا كان أو أديبا أو فنانا - يعتقد مشروعية هذا الانفصال عن القيم الأخلاقية ويعتقد ضرورة الالتزام به ، ويتجلى هذا الاعتقاد في الادعاءات الثلاثة الآتية : * أن القول الحق قد يصدر عن القائل ولو لم يعمل به . * أن الفعل ليس شرطا في قبول قول القائل .

--> ( 2 ) نستعمل لفظ " التساهل " في مقابل اللفظ الأجنبي : " ecnar ? eloT " ، بدل اللفظ الذي اشتهر استعماله ، وهو " التسامح " ، ذلك لأنه أنسب لمجال المعرفة من هذا اللفظ الأخير ، إذ يقال : " تساهل في عبارته عن الغرض " ولا يقال : " تسامح في عبارته عن الغرض " ؛ أضف إلى ذلك أنه لا يشعر بالمعنى الأخلاقي الذي يشعر به لفظ " التسامح " .